ابراهيم بن عمر البقاعي
515
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
غير حائل الَّذِينَ كَفَرُوا أي داموا على الكفر ، وبشر سبحانه بأنه يتوب على بعضهم بقوله : مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 74 إلى 76 ] أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 74 ) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 ) قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 76 ) ولما كان من شأن العاقل أنه لا يقدم على باطل ، فإن وقع ذلك منه وشعر بنوع ضرر يأتي بسببه بادر إلى الإقلاع عنه ، تسبب عن هذا الإنذار - بعد بيان العوار - الإنكار عليهم في عدم المبادرة إلى التوبة إيضاحا لأن معنى كفروا : داموا عليه ، فقال : أَ فَلا يَتُوبُونَ أي يرجعون بعد هذا الكفر الذي لا أوضح من بطلانه ولا أبين من فساده والوعيد الشديد إِلَى اللَّهِ أي المتصف بكل وصف جميل وَيَسْتَغْفِرُونَهُ أي يطلبون منه غفران ما أقدموا عليه من العار البين العوار ؛ ولما كان التقدير : فاللّه تواب حكيم ، عطف عليه قوله : وَاللَّهُ ويجوز أن يكون التقدير : والحال أن المستجمع لصفات الكمال أزلا وأبدا غَفُورٌ أي بليغ المغفرة ، يمحو الذنوب فلا يعاقب عليها ولا يعاتب رَحِيمٌ * أي بالغ الإكرام لمن أقبل إليه . ولما أبطل الكفر كله بإثبات أفعاله من إرساله وإنزاله وغير ذلك من كماله ، وأثبت التوحيد على وجه عام ، أتبع ذلك تخصيص ما كفر به المخاطبون بالإبطال ، فكان ذلك دليلا خاصا بعد دليل عام ، فقال تعالى على وجه الحصر في الرسلية ردا على من يعتقد فيه الإلهية واصفا له بصفتين لا يكونان إلا لمصنوع مربوب : مَا الْمَسِيحُ أي الممسوح بدهن القدس المطهر المولود لأمه ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ وبين أنه ما كان بدعا ممن كان قبله من إخوانه بقوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أي فما من خارقة له ، وإلا وقد كان مثلها أو أعجب منها لمن قبله كآدم عليه السّلام في خلقه من تراب ، وموسى عليه السّلام في قلب العصى حية تسعى - ونحو ذلك . ولما كفروا بأمه أيضا عليهما السّلام بين ما هو الحق في أمرها فقال : وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ أي بليغة الصدق في نفسها والتصديق لما ينبغي أن يصدق ، فرتبتها تلي رتبة الأنبياء ، ولذلك تكون من أزواج نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم في الجنة . وهذه الآية من أدلة من قال : إن مريم عليهاالسّلام لم تكن نبية ، فإنه تعالى ذكر أشرف صفاتها في معرض الرد على من قال بإلهيتهما إشارة إلى بيان ما هو الحق في اعتقاد ما لهما من أعلى الصفات ، وأنه من